أحمد ياسوف

215

دراسات فنيه في القرآن الكريم

النص على أنه من السماء ما يوحي بهذا العلو الشاهق ، ينزل منه هذا المطر الدافق ، فأي رعب ينبعث في القلوب من جرّائه » « 1 » . ونعود إلى الآية فنجد أنها تقدّم مشهدا كونيا فسيحا لا تعرف حدوده مما يزيد في إرعابه ، فكلمة السماء أطلقت الحدود ، هذا هو الحيز المكاني ، أما الحيز الزماني فتحده كلمة « ظلمات » فالواقعة ليلا ، ولكن الجمع المنكّر هنا يفيد أنها ظلمات شديدة ، فحذف الصفة يزيد في إطلاق الخيال لاستيعاب هذه الظلمات المدلهمة . أما كلمة « صيب » ففيها شدة الوقع على اللسان والمسامع ، وذلك لوجود حركة الشّدة على الياء ، ثم وجود التنوين على الباء الحرف الشفوي الشديد ، فكأن حركة الشدة تمثّل مرور هذه الحبات الكبيرة في الفضاء ، ويمثل حرف الباء المنوّن بإطباق الشفاه ملامسة الجسد في نهاية المسير وحركة الاصطدام . كما أن حبات هذه المياه كبيرة شديدة الوقع على الجسم في المجاهيل الساحقة ، وتعطينا مشهدا يتسع في اتجاهين : عرضي وطولاني ، إذ تطول خيوط هذه الأمطار . والرعد والبرق يقدمان صورة صوتية مرعبة لا مجال لإسكاتها أو توقيفها ، كذلك هي منكرة زيادة في دلالتها وحافتها النفسية ، أما البرق فهو الصورة الضوئية الخاطفة السريعة التي تنتزع القلوب ، وهي تعارض الصورة اللونية السوداء في « ظلمات » . لكن ثمة اتساع للصورة الصوتية بدخول كلمة « الصواعق » المنتزعة من الفضاء الشاسع في عناصر هذا المشهد ، فالأذى والتخويف كانا بعيدين ،

--> ( 1 ) من بلاغة القرآن ، ص / 33 .